محمد بن المنور الميهني

163

أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد

اذهب وكن على حذر . فذهب القاضي ، وسلم على الشيخ ، ورآه جالسا بين أربع وسائد مثل السلطان ؛ وقد جلس درويش عند قدميه واحتضنهما ، وأخذ يدلكهما . فقال القاضي لنفسه : أين يوجد الفقر هنا ؟ وكيف يمكن أن يكون هذا الرجل من الفقراء مع مثل هذا التنعم ؟ إنه ملك وليس بصوفى أو درويش . وعندما جال هذا الخاطر في نفسه ، رفع الشيخ رأسه عن الوسادة وقال : أيها الفاضل ، من كان في مشاهدة الحق هل يقع عليه اسم الفقر ؟ فصرخ القاضي صرخة ، وفقد الوعي ، فأخرجوه . وقال له أبو الحسن : لقد قلت لك احذر لأنك لن تقوى على نظرته . فقال الرجل : لقد تبت ، ثم فقد الوعي مرة أخرى ، وظل هكذا يوما وليلة . وبعد ذلك دخل الشيخ أبو الحسن على الشيخ أبي سعيد وقال له : أيها الشيخ ، لقد نظرت إلى القاضي نظرة هيبة ، فانظر إليه نظرة رحمة حتى يفيق . فأجابه الشيخ إلى طلبه ، وتلطف إلى القاضي قبل أن ينصرف . وقال الشيخ أبو الحسن للشيخ : إننا نرى الكعبة تطوف حولك كل ليلة ، ولست في حاجة إلى الذهاب إليها ، فعد لأنك أحضرت لكي تدركنا . وقد حججت الآن وعبرت بادية هموم أبى الحسن ، وسمعت تلبية ضراعته ، وذهبت إلى عرفات صومعته . ورأيت رجم نفسه ، وقدم أبو الحسن القربان لجمالك ، وصليت على يوسفه ، وسمعت تأوهات أحزان المحترقين ؛ فعد لأنك لو لم تفعل ذلك لما بقي أبو الحسن ، فأنت معشوق العالم . وقال الشيخ : سنذهب إلى بسطام ونقوم بالزبارة ثم نعود . فقال أبو الحسن : لقد قمت بالحج ، وسوف تقوم بالعمرة . ( ص 151 ) وذهب أبو سعيد بعد ثلاثة أيام إلى بسطام . وعندما وصل إليها وجد مرتفعا يمكن رؤية قبر بايزيد البسطامي قدس اللّه روحه العزيز من فوقه . ولما وقعت عين الشيخ على القبر توقف ، وطأطأ رأسه ساعة ، ثم رفعها